الاثنين، 15 أبريل، 2013

يا أيُّها الذين ءامَنوا لا تُبْطِلوا صَدَقاتِكُم بالمَنِّ والأذَى .......



قال الله تعالى :
﴿ يا أيُّها الذين ءامَنوا لا تُبْطِلوا صَدَقاتِكُم بالمَنِّ والأذَى كالذى يُنْفِقُ مَالَه رِئاءَ النَّاسِ ولا يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِر فَمَثَلُه كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فأصابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدَاً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَئٍ مِمَّا كَسَبوا واللهُ لا يَهدِى القَوْمَ الكافِرينَ    سورة البقرة : 264
قوله تعالى ( لا تُبْطِلُوا )
بَطَلَ الشئ بُطْلا وبُطْلانا : ذهب ضياعا ، وأبْطَلَ : جاء بالباطل ، والإبطال : يقال فى إفساد الشئ وإزالته ، حقا كان ذلك الشئ أو باطلا ، قال تعالى ( ليحق الحق ويبطل الباطل )
( المَنّ ) : المِنَّة : النعمة الثقيلة ، ويقال ذلك على وجهين :
أحدهما : أن يكون بالفعل فيقال : مَنَّ فلانٌ على فلان إذا أثقله بالنعمة وعلى ذلك قوله تعالى ( لقد مَنَّ الله على المؤمنين – كذلك كنتم مِن قبل فَمَنَّ اللهُ عليكم – بل الله يَمُنُّ عليكم ) وذلك على الحقيقة لا يكون إلا لله تعالى .
والثانى : أن يكون ذلك بالقول وذلك مُستقبح فيما بين الناس إلا عند كُفْران النعمة ، ولقبح ذلك قيل ( المِنَّة تهدم الصَّنِيعة ) ، ولحسن ذِكْرها عند الكُفْران قيل إذا كُفِرَتْ النعمة حَسُنَتْ المِنَّة .
وقوله تعالى ( يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علىَّ إسلامكم ) فالمِنَّة منهم بالقول ومِنَّة اللهِ عليهم بالفعل وهى هدايته إياهم كما ذكر .
وقوله تعالى ( فإما مَنَّاً بَعْدُ وإما فِداءً ) فالمَنُّ إشارة إلى الإطلاق بلا عِوَض ، وقوله تعالى ( هذا عطاؤنا فامْنُن أو أمْسِك بغير حساب ) أى أَنْفِقْه ، وقوله ( ولا تَمْنُن تَسْتَكْثِر ) فقد قيل هو المِنَّة بالقول ، وذلك أن يمتن به ويستكثره ، وقيل معناه لا تُعْطِ مُبْتَغياً به أكثر مِنْه ، وقوله تعالى ( لهم أجر غير ممنون ) قيل : غير معدود كما قيل ( بغير حساب ) ، وقيل : غير مقطوع ولا منقوص، وأما ( المَنّ ) فى قوله تعالى ( وأنزلنا عليكم المَنَّ والسَّلْوَى ) ، فقد قيل المَنّ شئ كالطَّلّ فيه حلاوة يسقط على الشجر ، والسَّلْوَى طائر(1)
( الأذَى ) ما يصل إلى الحيوان(2) من الضرر إما بنفسه أو جسمه أو تَبِعاته دنيوياً كان أو أُخْرَوياً(3)
------------------------------------------------------------------------------------------
(1) المفردات فى غريب القرآن ـ الراغب الأصفهانى       (2) المقصود بالحيوان كل مَن فيه حياة
(3) المفردات فى غريب القرآن ـ الراغب الأصفهانى

( صَفْوان )حَجَر أمْلَس واحِده صَفْوانة ، ( وابِل ) مَطَر شديد ، ( صَلْدَاً ) أملس ليس عليه تُراب .
قالت العلماءُ : إن الصَّدَقَة التى يَعْلَمُ اللهَ مِن صاحبها أنه يَمُنُّ بها أو يؤذِى بها فإنها لا تقبل ، وهو كما قالوا ، لأن الله تعالى قال ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) وإبطالها هو عدم قبولها ، وإذا لم تقبل فلا يعطى صاحبها ثوابا عليها وهو معنى لا تُقْبَل (1)
إذا تأملنا الآية رقم 261 من سورة البقرة بدءاً من قوله تعالى ( مَثَلُ الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنبتت سبع سنابل ... ) إلى قوله تعالى ( قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى .... ) ، لَعَلِمنا مدى الإرتباط بين هذه الآيات وبين قوله تعالى ( يا أيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ..... ) حيث رَغَّبَ الله تعالى المؤمنين فى الصدقة وأنه يضاعفها إلى سبعمائة ضعف بل يضاعف بأكثر لمن يشاء حسب النية والإخلاص ، ومدح الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله أى ابتغاء وجه الله لا يريد بذلك عرضاً من أعراض الدنيا لا مالاً ولا جاهاً ولا سمعة ولا يمنون بها ولا يُؤذون بها المُتَصَدَّق عليه ، كقوله : أحسنت إليك ن أو يذكره لغيره ، فقد وعدهم الله عز وجل بالأجر والثواب والأمن فى الدنيا والآخِرَة
وأخبر تعالى أن رد السائل بالتي هى أحسن والصفح عن إلحاحه فهذا خير عند الله وأفضل من إعطائه ثم إيذائه أو تعييره بِذُلِّ السؤال ، فقال تعالى ( قول معروف خير من صدقة يتبعها أذى والله غنى حليم ) أى مُسْتَغْنٍ عن الخلق حليم لا يعاجل بالعقوبة من يخالف أمره

وتدل الآيات على فضل النفقةفى الجهاد وأنها أفضل النفقات ، وفضل الصدقات وعواقبها الحميدة وحرمة المَنِّ بالصدقة ، وفى الحديث (ثلاثة لا يدخلون الجنة : العاقُّ لوالديه ، والمُدْمِن الخمر ، والمَنَّان بما أعطَى )(2) ، فبعد أن رغَّب الله فى الصدقات ونَبَّه إلى ما يبطل أجرها وهو المَنّ والأذى ، نادى عباده المؤمنين فقال ( يا أيها الذين ءامنوا ) ناهيا عن إفساد صدقاتهم وإبطال ثوابها فقال ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) ، مشبها حال إبطال الصدقات بحال صدقات المرائي الذى لا يؤمن بالله واليوم الآخر فى بطلانها فقال ( كالذى ينفق(3) ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر )(4) ، وضرب مثلاً لِبُطْلانِ صدقات من يتبع صدقاته مَناً وأذى أو يرائي بها الناس أو هو
--------------------------------------------------------------------------------------------
(1) أيسر التفاسير – الجزائرى     (2) رواه أحمد والنسائى والحاكم عن ابن عمر
(3) إن الكافر قد يُعْطِى المالَ ولكن ليراه الناس فيمدحوه ويشكروه وهذا عمل أهل الجاهلية .
(4) أى إنفاقا كإنفاق الذى ينفق ماله رئاء الناس طلبا لِمَحْمَدَتِهم أو خوفا مِن مَذَمَّتِهِ.

كافر لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخِر فقال ( فمثله كمثل صفوان عليه تراب ) أى حَجَر أملس عليه تراب ( فأصابه وابل ) أى نزل عليه مطر شديد فأزال التراب عنه فتركه أملس عاريا ليس عليه شئ ، فكذلك تذهب الصدقات الباطلة ولم يبقَ منها لصاحبها شئ ينتفع به يوم القيامة فقال تعالى ( لا يقدرون على شئ مما كسبوا ) أى ما تصدقوا به ( والله لا يهدى القوم الكافرين )(1)  إلى ما يسعدهم (2)
وهنا وقفة عند هذه الآية لا بد أن نقف عليها لِما لها من أهمية عظيمة وهى ذكر داء الرياء ( الشرك الخَفِىّ ) – والعياذ بالله – هذا الداء الذى يفتك بصاحبه والذى قد يسرى على كل شئ لا على الإنفاق فحسب
فقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة من الآيات والأَخْبار على تحريمه وذم فاعله ، قال تعالى ( فويلٌ للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم يُراءون * ويمنعون الماعون )(3) وقوله سبحانه ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا )(4) وفى الحديث القُدُسى ( أنا أغنى الشركاء عن الشرك مَن عمل عملا أشرك فيه مَعِىَ غيرى تركتُه وشِركَه )(5) ، ومعناه أنا أغنى عن المشاركة وغيرها ، فمن عمل شيئا لى ولغيرى لم أقبله بل أتركه لذلك الغير ، والمراد أن عمل المرائى باطل الثواب فيه ويأثم به ، وقال صلى الله عليه وسلم ( إنَّ أَخْوَفَ ما أخافُ على أُمَّتِى الشرك الأصغر ، قالوا وما الشِّرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال : الرياء ، يقول الله عز وجل يوم القيامة إذا جازَى العبادَ بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تُراءون فى الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء )(6)(7)
فالرياء قناع خَدَّاع يحجب وجهاً كالِحاً ونفساً لئيمة و قلبا صَلْدا ، والرياء طِلاء رقيق يخفى سَوْءات بعضها فوق بعض ، والرياء زَيْف كاسد فى سوق التجارة .
قال وهب بن منبه ( من طلب الدنيا بعمل الآخرة نَكَّس الله قلبه وكتب إسمه فى ديوان أهل النار)
وقال أبو العالية وهو تابعى ( قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : لا تعمل لغير الله فَيَكِلكَ الله إلى من عَمِلْتَ له )
-------------------------------------------------------------------------------------------
(1) هذه الجملة ذَيَّلَ بها الكلام لتحمل تحذيرا شديداً للمؤمنين أن يسلكوا مسالك الكافرين فى إنفاقهم وأعمالهم ، فإنها باطلة خاسرة (2) أيسر التفاسير ج1 ص 142 (3) الماعون 4 – 7
(4) الكهف 110    (5) رواه مسلم فى كتاب الزهد (6) رواه أحمد وابن حبان وصححه الألبانى
(7) البحر الرائق – الشيخ د / أحمد فريد

وقال ابن أبى مُلَيْكَة ( أدركتُ ثلاثين من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ) ، ومن علم شدة حاجته إلى صافى الحسنات غداً يوم القيامة غلب على قلبه حذر الرياء وتصحيح الإخلاص بعمله حتى يوافى الله تعالى يوم القيامة بالخالص المقبول ، إذا علم أنه لا يخلص إلى الله – جل ثناؤه – إلا ما خلص منه ولا يقبل يوم القيامة إلا ما كان صافيا لوجهه لا تشوبه إرادة شئ بغيره (1)
والرياء مشتق من الرؤيَة ، وأصله طلب المنزلة فى قلوب الناس برؤيتهم خصال الخير ، ويجمعه أقسام :
1- الرياء بالبَدَن : ويكون بإظهار النُّحول والصَّفَار لِيوهِم بذلك شدة الإجتهاد فى العبادة وعِظَم الحُزْن على أمر الدين وغَلَبة خوف الآخِرَة
2- الرياء بالهيئة والزِّى : بتشعيث الرأس وإطراق الرأس فى المشى والهدوء فى الحركة وإبقاء أثر السجود على وجهه وتحرى لبس الثياب الخَشِنة أو لبس المُرَقَّعات .    
3- الرياء بالقول : كرياء أهل الدِّين بالوعظ والتذكير والنطق بالحكمة وحفظ الأخبار لإستعمالها فى المحاورة وإظهارا لغزارة العلم وتحريك الشفتين بالذكر فى محضر الناس وإظهار الغضب للمنكرات والأسف على مقارفة المعاصى .
4 –الرياء بالعمل : كمراءاة الناس بطول القيام والركوع والسجود وكذلك بالصوم والغزو والحج والصدقة.      
5 – الرياء بالأصحاب والزائرين : كالذى يتكلف أن يستزير عالماً أو عابداً ، ليقال : إن فُلاناً قد زار فلانا ، كالذى يكثر زيارة الشيوخ لِيُرَى أنه لَقِى شيوخا كثيرة واستفاد منهم ويتباهى بشيوخه عند المُخاصَمة .     
وأصل الرياء حب الجاه ، والجاه هو قيام المنزلة فى قلوب الناس ، وهو اعتقاد القلوب نعتا من نعوت الكمال فى هذا الشخص ، إما لعلم أو عبادة أو نسب أو قوة أو حسن منظر أو غير ذلك مما يعتقده الناس كمالا ، فبقدر ما يعتقدون له من ذلك تذعن قلوبهم لطاعته ومدحه وخدمته وتوقيره ، ومن غلب على قلبه حب هذا صار فى أقواله وأفعاله ملتفتا إلى ما يعظم منزلته لديهم وذلك بذر النفاق وأصل الفساد لأن من طلب هذه المنزلة فى قلوب الناس اضطر أن ينافقهم بإظهار ما هو  خالٍ عنه وَيَجُرُّ إلى المُراءاة بالعبادات واقتحام المحظورات والتوصل إلى اقتناص القلوب ، وهذا
-----------------------------------------------------------------------------------------
(1) إخوانى احذروا الشرك الخفى – الشيخ د / طلعت زهران

باب غامض لا يعرفه إلا العلماء بالله العارفون به المحبون له وإذا فُصِّل رجع الأمر إلى ثلاثة أصول هى :
حب لذة الحمد ، والفرار من الذم ، والطمع فيما فى أيدى الناس .
والرياء منه الجَلِىّ ومنه الخَفِىّ :
فالرياء الجلى : هو الذى يبعث على العمل ويحمل عليه
والرياء الخفى : فهو الذى لا يحمل على العمل بمجرده إلا أنه يخفف مشقة العمل على النفس كالذى يعتاد التهجد كل ليلة ويثقل عليه فإذا نزل به ضيف تنَشَّطَ للقيام وخف عليه .
 ومن الرياء الخفى : أن الإنسان يذم نفسه بين الناس يريد بذلك أن يُرَى أنه متواضع عند نفسه فيرتفع بذلك عندهم ويمدحونه بذلك.
قال الحسن البصرى رحمه الله ( مَن ذَمَّ نَفْسَه فى الملأ فقد مَدَحَها وذلك مِن علامات الرياء )

وللمُرَائي لأجله درجات :
1- فأقبحها أن يقصد التمكن من معصية كمن يظهر الورع والزهد حتى يُعْرَف به فَيُولَّى المناصب والوصايا وتُودَع عنده الأموال أو يُفَوَّض إليه تَفْرِقَة الصدقات ، وقصده بذلك الخِيانة فيه .
2 – ويليها من يُتَّهَم بمعصية أو خيانة فَيُظْهِر الطاعة والصدقة قَصْدَا لِدَفْع تلك التُّهْمَةَ .
3 – ويليها أن يقصد نيل حَظٍّ مباح من نحو مال أو نكاح أو غيرهما من حظوظ الدنيا .
4 – ويليها أن يقصد بإظهار عبادته وورعه وتخشعه ونحو ذلك أنْ لا يُحتَقَر ويُنظر إليه بعين النقص ، أو أن يُعَدَّ من جملة الصالحين ، وفى الخلوة لا يفعل شيئا من ذلك . 
قال الغزالى : وجميعهم تحت مقت الله تعالى وغضبه ، وهو من أشد المهلكات (1)
وقال الفُضَيْل بن عِياض رحمه الله تعالى ( العمل من أجل الناس شرك ، وترك العمل من أجل الناس رياء ، والإخلاص أن يعافيك الله منهما )
-------------------------------------------------------------------------------------------
(1) إخوانى احذروا الشرك الخفى – الشيخ د  / طلعت زهران

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق